الشيخ محمد آصف المحسني
83
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
الفائدة الحادية عشرة في امتناع الدور والتسلسل أمّا الدور فهو في اللغة - كما في بعض كتبها - التقلّب والحركة إلى ما كان عليه . وفي الاصطلاح هو توقّف الشيء على ما يتوقّف عليه « 1 » ، وإن شئت فقل : إنه تعاكس الشيئين في السببية والمسببية . فإن توسّط بينهما واسطة أو وسائط أخرى يسمّى مضمرا ، وإلّا فمصرّح . فتوقّف الشيء على نفسه لا يسمّى دورا بل هو نتيجته . ثم إنّه ربما يطلق الدور على شيئين لهما معيّة ، ويقال له الدور المعي ، وهو ليس بمحال ، وهو أن يكون شيئان موجودان يتوقّف كلّ منهما على الآخر في صفة من الصفات ، بمعنى أن تتوقّف الصفة في كلّ منهما على ذات الآخر سواء كانت تلك الصفة فيهما من نوع واحد كالأخوة في أخوين والمعية في شيئين ، أو من نوعين كالفوقية والتحتية في الفوق والتحت والتقدّم والتأخر بحسب المكان في جسمين ، وهذا الدور جار في كلّ متضايفين كما قيل . ثم إن الدليل على استحالة الدور - بمعنييه المتقدّمين - أنّه يستلزم تقدّم الشيء على نفسه وتأخّره عن نفسه ؛ ضرورة تقدّم العلّة على المعلول تقدما عليّا وتقدّما بالذات ، فإذا كانت العلّة معلولة لمعلولها ، لزم تأخّر الشيء عن نفسه بمرتبتين ، وكذلك تقدمه ، وهو - أي تقدّم الشيء على نفسه أو تأخّره عنها - ضروري الاستحالة ، مع أنّه قد يستدلّ عليها بأنّه يستلزم تخلّل العدم بين الشيء ونفسه وهو واضح الاستحالة ، وبان التقدّم نسبة لا تعقل إلّا بين شيئين . فإن توهّم أحد أن المراد بالتقدّم هنا إمّا التقدّم الزماني وهو غير لازم في العلة ، أو العلّي وهو مصادرة ؛ لان معنى قولنا : إن الشيء لا يتقدّم على نفسه أنّ الشيء لا يكون علّة لنفسه . يقال له : إنّ معنى تقدّم العلّة على معلولها هو صحّة مثل قولنا : تحركت اليد فتحرّك الخاتم ، طلعت الشمس فوجد النهار ؛ وبطلان عكسه أي قولنا ، تحرك الخاتم فتحركت اليد . وهذا الاعتبار الذي ممّا لا يشك فيه عاقل بديهي البطلان بالنظر إلى الشيء ونفسه .
--> ( 1 ) الفرق بين تقدم الشيء على نفسه ، وتوقف الشيء على نفسه اعتباري ، فإن الأول باعتبار علّية كلّ منهما للآخر ، والثاني باعتبار معلولية كلّ منهما للآخر .